تعديل

الأحد، 22 يناير 2017

من أعلام الأمة الشنقيطية في المشرق العربي: العلامة الإمام محمد الامين بن فال الخير الحسني.


لقد كان للشناقطة دور بارز في إثراء الحركة العلمية في المشرق العربي، فكانت منهم قامات علمية فارعة ساهمت بشكل ملحوظ وباعتراف المشارقة في النهضة الإسلامية العربية بنشر هذا الدين الحنيف والدعوة إليه والصبر على المشاق في سبيل ذلك، وإن من أعظم أولئك الرجال إمام العلم بالحرمين وخادمه بالمشرقين والمغربين محمد محمود بن التلاميد التركزي الذي سبق أن ترجمنا له، وهانحن اليوم بصدد الترجمة لإمام مجاهد آخر:
هو محمد الامين بن عبدي بن فال الخير بن حبيب الله بن أَبيْ بن حبيب بن أحمد بن أعمر اڭداش الجد الجامع لفخذ أهل أعمر اڭداش من إدابلحسن: قبيلة الشعر الشريفة النسب، اشتُهر أبناء هذه القبيلة بالفصاحة الفطرية وسليقة العروض، قال شاعرهم:
النحو علمٌ كفاني من تعلمه.......ملج الثدي ثدي الهيف من حسن
وقال محمذ بن السالم الحسني:
مصداق أني كريم العيص منتسب.......إلى قريش بيوت العز والجدل
نسجي القريض وإحكامي قوافيه........ولا أميز بين العطف والبدل
وقال الناظم:
ومنهمُ إدا-قبيلُ-بالحسن.......أفصح خلق الله في هذا الزمن.
ولد سنة 1293هـ-1876م، وتوفيت والدته وهو بعدُ صغير لا يتصورها، وتربى على يد أبيه وأخواله خصوصا خاله محمد بن عُبيد الله الذي تولى تحفيظه القرآن، ثم تتلمذ على عبد الله بن حمين القلاوي فأخذ عنه من اللغة، وكذا على المختار بن المعلى الحسني الذي أخذ عنه الأدب، وعلى العلامة عبد القادر بن محمد سالم المجلسي فأخذ عنه فصولا من مُختصر الشيخ خليل، وقرض الشعر منذ صباه.
ثم إنه تاق إلى الإستزادة من العلم، فارتحل سنة 1318هـ-1900م إلى الشمال حيث قدم المغرب حاليا وتجول بين مدنه كمراكش والدار البيضا والرباط وطنجة، وعندما كان في الرباط ينوي السفر إلى فاس-وهي عاصمة الثقافة بالمغرب أنذاك-وكذلك كان ينوي الرحيل إلى البلاد المقدسة لتأدية فريضة الحج أصيب بالجدري المنتشر أنذاك فأقعده زمنا، لكن الله كتب له الشفاء منه فبدأ رحلته إلى المشرق في ذي الحجة سنة 1318هـ رفقة زميلين آخرين، وعند وصولهم القاهرة التقوا بالإمام محمد محمود بن التلاميد التركزي الذي عرفهم بالشيخ محمد عبده الذي وفرهم لهم سكنا لائقا وحصل لهم على كتاب من بعض الحكام إلى محافظ السويس الذي أوصلهم إلى جدة حيث أدوا عمرة في أواخر محرم 1319هـ، ثم حلوا بالمدينة فأصيب بحمى يثرب زمنا، ثم بدأ في لقاء علماء وأدباء المدينة الذين استفاد منهم وأفادهم، ثم حل بمكة فأدى فريضة الحج.
بعدها كان محمد الامين ينوي العودة إلى مرابع الأهل ومواطن الصبا إلا أن شيخه وصديق والده الشيخ أحمد سالم بن الحسن الديماني أصيب بمرض شديد فكان من واجب محمد الامين أن لا يدعه على تلك الحال برا بوالده، وبعد تحسن صحة المذكور أخذ عنه محمد الامين فصولا من السيرة والفقه، ثم انتقل إلى مكة فلقي بها العلامة أبي شُعيب بن عبد الرحمن الدكالي المغربي فدرس عليه ألفية ابن مالك وفصولا من مختصر الشيخ خليل والأصول، وسمع منه أبوابا من كتب السنن عدا سنن ابن ماجة، وموطأ مالك وصحيح البُخاري، وبعض الشاطبية في القراءات السبع، كما درس بمكة السلم في المنطق، وعددا من الدواوين منها ديوان المتنبي والبحتري، وطالع عددا من كتب الأدب والأنساب.
وكان عقد العزم على العودة إلى وطنه وقد أحس به يروي ظمأه من العلم الذي خرج يطلبه، إلا أنه لما علم باحتلال فرنسا البلادَ عدل عن إرادته تلك وقرر الإستقرار في البلد الحرام، وكتب إلى أهله معتذرا أبياتا منها:
فلا تنكروا تطلابي العلمَ نائيا........فما النأي في تطلابه بعجيب
ولاسيما علمُ الحديث فإنه.........بهاتيكمُ الأقطار جد غريب
فذاك الذي في البحث عن أمهاته.......بإسنادها باعدتُ كل قريب
وفارقتُ في تطلابه طالبا وفي........محبته فارقتُ آل حبيب
وأسأل ربي أن يوفقني وأن.........يسدد أمري وهو خير مجيب
خرج محمد الامين يجوب البلاد الإسلامية سنة 1326هـ-1908م فنزل بالهند وعُمان والأحساء فحضر دروس الشيخ عيسى بن عكاس الأحسائي فدرس عليه جانبا من كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام وسمع منه من الفقه الحنفي.
وفي سنة 1327هـ-1909م ابتنى الشيخ مزعل باشا السعدون مسجدا ومدرسة في مدينة الزُبير من أعمال البصرة بالعراق وطلب من الشيخ أبي شُعيب المغربي تولي إدارتهما فأرسل أبو شعيب إلى تلميذه محمد الامين-وهو إذ ذاك في الأحساء-يطلب منه التوجه إليهما والقيام بشؤونهما فلبى طلب شيخه، وعندما جلس للتدريس في الزُبير تهافت عليه الطلبة من كل حدب وصوب واكتظت حلقات علمه وتناقل الناسُ أخباره في عموم البصرة، ولما رأى أهل البصرة سعة علمه وإخلاصه في الدعوة إلى الله وتأثيره القوي في النفوس رغبوا في بقائه الدائم معهم فرغبوه في الزواج وزينوه بين عينيه فاستجاب رغبة منه في نشر الفضيلة في هذا القطر وبث العلم، تزوج من لؤلؤة بنت السلطان الطويل ورزق منها بابنه يوسف الذي روى جُل قصته ولا أدري هل لا يزال على قيد الحياة أم توفي ورزق منها كذلك ببنات.
كان محمد الامين متأثرا بالفكر الوهابي بل بالفكر السلفي السائد في المشرق العربي أنذاك فكان يشير في خطبه إلا عدم وجوب التقيد بمذهب واحد وكذلك أنكر كثيرا من الخرافات الصوفية كالتوسل بالصالحين والتبرك بقبورهم وذبح الذبائح عندها، وانتقد على السلطة العثمانية سكوتها على المناكر، فلاقى معارضة من بعض جهلة البصريين ممن يدعون العلم فألبوا عليه العوام ووشوا بينه والسلطةَ العثمانية لكن شيئا من ذلك لم يثن جمهور أهل الزبير من التعلق به والإستماع إلى توجيهاته.
توجه محمد الامين قُبيل الحرب العالمية الأولى إلى الكويت بدعوة من بعض فضلاء أهلها حيث ساهم في توعية المجتمع الكويتي.
وكان أحد ولاة الدولة العثمانية في إيران قد خرج عليها أثناء حربها مع الإنجليز وهادنهم، وكان هذا الوالي صديقا لأمير الكويت أنذاك الشيخ مبارك الصُّباح فوجهت السلطة العثمانية إليه قوات لدحره وكذا خرجت عليه جموع من الإيرانيين، فلما رأى صديقه مبارك ما حل به أمر شعبه بالخروج لمساعدته إلا أن الشيخ محمد الامين الشنقيطي والشيخ حافظ وهبه المصري وقفا في وجه هذه الدعوة داعين الشعب الكويتي إلى الرفض وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فولد ذلك حماسا في نفوسهم ورفضوا القتال مع الإنجليز، وفعلا فشلت خطة الشيخ مبارك.
بعدها استدعى مبارك العالمين المذكورين بحضور المبعوث البريطاني في الكويت واستجوبهما، وبعد اللقاء حكم المبعوث البريطاني بخطورة الشنقيطي على المشروع البريطاني في المنطقة ورغب في نفيه إلى الهند إلا أن الشيخ مبارك أرسل إليه من يحذره سرا ويأمره بالخروج من الكويت ففعل وعاد إلى الزبير.
عاد محمد الامين إلى البصرة وقد بدأت الحرب العالمية الأولى فبدأ في استنهاض الهمم والحث على الخروج للجهاد، وشارك هو نفسه في عدة معارك مع القوات العثمانية ضد القوات البريطانية، منها معركة سيحان وكوت الزين، وكانت أكبر معركة شارك فيها هي معركة الشعيبة التي دعا لها كثيرا وشارك فيها ببسالة بشهادة الجنود الأتراك، إلا أن أتباعه وتلاميذه وحتى الجنود كانوا يخافون عليه تلك الأجواء المضطربة الدموية فرغبوا في رحيله من البصرة التي كان الجيش الإنڭليزي قد احتل أغلب أرضها.
حل محمد الامين ببغداد بداية العام 1915م، واستقر بها معلما مرشدا حتى جرت معركة سلمان بك وأصبح الإنڭليز على مشارف بغداد فخاف الأسر-وهو مطلوب لدى ابريطانيا- فخرج متخفيا إلى نجد.
حلَّ بنجد فتوافد عليه الطلبة وأقام بها يدرس مختلف العلوم، ثم رحل إلى عُنيزة من بلاد القيصوم فمكث بها، وعندما علم الملك عبد العزيز السعود بوجود الشقيطي في مملكته زار القيصوم والتقى به وأراد أن يتطمأن أنه لن يثير له مشاكلَ مع الإنڭليز كما فعل في الكويت والبصرة فأخبره أن الإنڭليز طلبوا منه تسليمه فأجاب بكل رباطة جأش: "الرأي رأي صاحب الجلالة وله الحق في اتخاذ ما يراه الأصلح لسياسة بلاده وشؤون مملكته ولا لوم عليه في كل ما يفعل من أجل ذلك"، فابتسم الملك معجبا بشجاعته وقال: كنت أخبرت الإنڭليز أن العرب لا يسلمون ضيوفهم مهما كلفهم ذلك.
وأثناء مقامه بالحجاز خرج حاجا فالتقى ببعض الشناقطة الذين حملوا معهم أخبار الوطن الأم فهيجوا الألم، وظل محمد الامين بالحجاز إلى نهاية الحرب العالمية الأولى صدر سنة 1918م، حيث عاد إلى أسرته التي كان تركها فارا من الكويت، إلا أن أميرها جابر بن مبارك الصباح استقبله بجفاوة وهم بتسليمه للإنڭليز الذين لم يقبلوا تسلمه! فطرده حيث غادر إلى البصرة، فاستقر بالزُبير واستقدم عائلته وعاد لنشاطه الديني في نشر الإسلام وتوعية المجتمع، فانهال عليه الطلبة والمسترشدون وذاع صيته ولهجت الألسنة بالثناء عليه.
ثم إنه حض أهل الزُبير على طلب رخصة في إنشاء مدرسة تكون مركزا لنشر الوعي الديني في هذا البلد العريق، وبالفعل فقد أسست مدرسة "النجاة" في 1342هـ-1922م، يقول بعض الباحثين العراقيين:"وقد لا نغالي إذا قلنا أن مستوى طلاب مدرسة النجاة بلغ في العلوم الدينية والعربية والأدبية مستوى طلاب الكليات المختصة بهذه الدراسة..إلى أن يقول..كلها بفضل هذا الجهبذ الرائد والعيلم الألمعي المخلص الشيخ محمد أمين الشنقيطي"اهـ، ومن هذه المدرسة تخرج العديد من رجال الدين والقضاة والمفكرين والأدباء.
ثم إنه تم استدعاؤه إلى الكويت بدعوة من أميرها الجديد أحمد الجابر الصباح فاعتذر له وطيب خاطره، وأقام له حفل تكريم ألقى فيه الشاعر الكويتي سليمان العدساني قصيدة في الإشادة به منها:
يا قوم إن نزيلكم........هذا هو الرجل الوحيد
الناطق الحق الصراح.....وإنه في ذا فريد
إني وقفت خطيبكم.......يا ليت شعري هل أجيد
يا شيخ أنت رجاؤنا........في نهضة النشء الجديد
عصر الخرافة قوضت......أركانه حتى أبيد
ثابر فخلفك عصبة........قد أقسمت أن لا تحيد
فتخط للعليا بها........يا صاحب الرأي السديد
إن الكويت لبعدكم........كادت لبلواها تميد
فاصفح لماضيها وغــــــــض الطرف عن ذاك البعيد
أما الزبير فكم لكم.......فيها من الأثر الحميد
فلكم أشدت مدارسا.......فيها وكم أثر مجيد
لو كان مثلك عشرة.......فينا لما بعُد البعيد
عجبي لقوم أغضبوك......أما بهم رجل رشيد
آذوك لما أن دعو........تهمُ إلى أمر مفيد
بعدها عاد إلى الزبير واشتغل بتطوير نظم الدراسة في مدرسة النجاة التي لقيت شهرة كبيرة في ذلك الزمن.
توفي محمد الامين ضحوة يوم الجمعة 14 جمادى الثانية 1351هـ-13يونيو 1932م ودفن بمقبرة الحسن البصري، وكانت تلك أياما عسيرة على عموم العراق بل والمشرق العربي ككل فكم هي خسارة عظيمة، اللهم ارحمه واغفر له واعف عنه وعافه.




0 التعليقات:

إرسال تعليق